ابن عجيبة
84
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : وَ اذكر يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ * « 1 » ، أو : يوم يحشرهم اللّه جميعا للبعث والحساب ، يكون ما لا تفي به العبارة من الأهوال الفظيعة والأحوال الغريبة ، فيحشرهم وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ؛ من الملائكة والمسيح وعزير . وعن الكلبي : الأصنام ؛ ينطقها اللّه ، وقيل : عام في الجميع . و ( ما ) : يتناول العقلاء وغيرهم ؛ لأنه أريد به الوصف ، كأنه قيل : ومعبودهم . فَيَقُولُ الحق جل جلاله للمعبودين ، إثر حشر الكل ؛ تقريعا للعبدة وتبكيتا : أَ أَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ ، بأن دعوتموهم إلى عبادتكم ، أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ أي : عن السبيل بأنفسهم ؛ بإخلالهم بالنظر الصحيح ، وإعراضهم عن الرشد . وتقديم الضميرين على الفعلين بحيث لم يقل : أضللتم عبادي هؤلاء أم ضلوا السبيل ؛ لأن السؤال ليس عن نفس الفعل ، وإنما هو عن متوليه والمتصدي له ، فلابد من ذكره ، وإيلائه حرف الاستفهام . ؛ ليعلم أنه المسؤول عنه . وفائدة سؤالهم ، مع علمه تعالى بالمسؤول عنه ؛ لأن يجيبوا بما أجابوا به ؛ حتى يبكت عبدتهم بتكذيبهم إياهم ، فتزيد حسرتهم . قالُوا في الجواب : سُبْحانَكَ ؛ تعجيبا مما قيل ، لأنهم إما ملائكة معصومون ، أو جمادات لا تنطق ولا قدرة لها على شئ ، أو : قصدوا به تنزيه عن الأنداد ، ثم قالوا : ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أي : ما صح وما استقام لنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ أي : متجاوزين إياك ، مِنْ أَوْلِياءَ نعبدهم ؛ لما قام بنا من الحالة المنافية له ، فأنّى يتصوّر أن نحمل غيرنا على أن يتخذوا غيرك ، فضلا أن يتخذونا أولياء ، أو : ما كان يصح لنا أن نتولى أحدا دونك ، فكيف يصح لنا أن نحمل غيرنا أن يتولونا دونك حتى يتخذونا أربابا من دونك ، وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ بالأموال والأولاد وطول العمر ، فاستغرقوا في الشهوات ، وانهمكوا فيها حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ أي : غفلوا عن ذكرك ، وعن الإيمان بك ، واتباع شرائعك ، فجعلوا أسباب الهداية ؛ من النعم والعوافي ، ذريعة إلى الغواية . وَكانُوا ، في قضائك وعلمك الأزلي ، قَوْماً بُوراً ؛ هالكين ، جمع : بائر ، كعائذ وعوذ . ثم يقال للكفار بطريق الالتفات : فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ ، وهو احتجاج من اللّه تعالى على العبدة ؛ مبالغة في تقريعهم وتبكيتهم ؛ على تقدير قول مرتب على الجواب ، أي : فقال اللّه جل جلاله عند ذلك للعبدة : فقد كذبكم المعبودون أيها الكفرة ، بِما تَقُولُونَ أي : في قولكم : هؤلاء أضلونا . والباء بمعنى « في » ، وعن قنبل : بالياء ، والمعنى : فقد كذبوكم بقولهم : ( سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ) ، والباء حينئذ كقولك : كتبت بالقلم .
--> ( 1 ) قرأ ابن كثير وأبو جعفر ويعقوب وحفص : « يحشرهم » ؛ بالياء ، وقرأ الباقون بالنون . . انظر الإتحاف ( 2 / 306 ) .